عمر فروخ
18
تاريخ الأدب العربي
هذا العنوان الواسع يجب أن تكون له معالجة موجزة هنا . هناك نفر من الناس يحبّون أن يجرّبوا آراءهم في كلّ شيء حولهم . وفي كثير من الأحيان يمدّون آراءهم تلك إلى أمور بعيدة في الزمن ويحسبون أنّهم يحسنون فيها صنعا . وبما أن الكلام قد كثر في صلة اللغة بالأدب وبصلة الأدب بالقوميّة ثمّ بصلة هذه كلّها بالسياسة ، فقد أصبح من الضّروريّ أن يحاول أحدنا أن يردّ هذه المدارك المختلفة ( لغة ، أدبا ، قوميّة ، سياسة ) إلى نصابها أو إلى نصاب قريب من نصابها . لا شكّ في أن اللغة قد بدأت وسيلة إلى التعبير عن مقاصد الإنسان العاقل وعن آرائه . في أوّل الأمر لم يكن للإنسان سوى مقاصد أو قصود يريد التعبير عنها . وقد كانت تلك القصود في أوّل الأمر قاصرة على التعبير عن حاجاته الشخصيّة ، لأنّ حياة الناس في مطلع وجودهم كانت فرديّة : كان كلّ فرد يعتقد أنّه موجود بمفرده في هذا العالم ، وأن لكلّ شيء في هذا العالم قيمة إذا كان هو محتاجا إليه . أمّا إذا لم يكن الفرد محتاجا إلى شيء ما ، فإنّ ذلك الشيء لم يكن له عند ذلك الفرد قيمة . ثم أخذ الإنسان يشعر أنّه مرتبط بهؤلاء الذين يعيش معهم في هذا العالم ( أو في رقعة الأرض التي كان هو يعيش فيها ) فاحتاج إلى التّفاهم مع هؤلاء - وكان في أوّل الأمر يكفيه أن ينقل قصوده المعبّرة عن حاجته إلى رفيقته ولو لم يكن يشعر بحاجة تلك الرفيقة إليه . في هذا الطّور المتأخّر بدأت الحياة الاجتماعية وأصبح كلّ فرد يشعر أنّه جزء من هذا المجموع الذي فرضت عليه الحياة أن يكون مع غيره في مكان واحد . من أجل ذلك مرّت اللغة الإنسانية في ثلاثة أطوار متلاحقة : الطور الأوّل : طور اللغة التي كانت حركات :